الشيخ أحمد فريد المزيدي

267

الإمام الجنيد سيد الطائفتين

قال الجنيد : من عرف اللّه لا يسر إلا به « 1 » . قال الجنيد : من عرف اللّه أطاعه ، ومن عرف نفسه ساء بها ظنّه ، وخاف على حسناته ألا تقبل « 2 » . اختلفوا في المعرفة نفسها : ما هي ، والفرق بينها وبين العلم ؟ فقال الجنيد : المعرفة وجود جهلك عن قيام علمه . قيل له : زدنا . قال : هو العارف وهو المعروف « 3 » . قال الجنيد : المعرفة معرفتان : معرفة تعرّف ، ومعرفة تعريف ، معنى التعرف أن يعرفهم اللّه عز وجلّ نفسه ، ويعرفهم الأشياء به ، كما قال إبراهيم عليه السلام : لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ [ الأنعام : 76 ] ، ومعنى التعريف : أن يريهم آثار قدرته في الآفاق والأنفس ، ثم يحدث فيهم

--> - واختاره أكثر المتأخرين ، وإليه ذهب الضرير وكان من المحققين ، وأنكر القاضي أبو بكر هذا القول ورده وتبعه الإمام أبو المعالي في طائفة وقال : الباري تعالى يعلم والعلم يتعلق بالمعلوم على ما هو عليه فلو تعلق العلم به على خلاف ما هو به لكان العلم جهلا وقد أجمعت الأمة على وجوب معرفة اللّه ولو كانت مستحيلة لما أجمعت عليه ، قيل : وهو خلاف في حال فإن من أثبت العلم بالحقيقة مقر بأنه تعالى لا يحاط به ومن نفى مقر بأنه تعالى عرفه العارفون بدلالة الآيات وتحققوا اتصافه بواجب الصفات وتيقنوا تنزيهه عن التشبيه بالمحدثات وتقديسه عن الحدود والكيفيات . وقال في موضع آخر : ومما هو مشهور من كلامهم لا يعرف اللّه إلا اللّه وهو من كلام الجنيد على ما ذكره الشيخ أبي حامد الغزالي في المقصد الأسنى وغير واحد كالقاشاني والنفراوي في شرحيهما لرسالة ابن أبي زيد القيرواني ، وعبارة الغزالي أثناء كلام له بل أقول : الخاصة الإلهية ليست إلا للّه تعالى ولا يعرفها إلا اللّه تعالى ، ولا يتصور أن يعرفها إلا هو أو من هو مثله وإذا لم يكن له مثل فلا يعرفها غيره فإذا الحق ما قاله الجنيد رحمه اللّه : حيث لا يعرف اللّه إلا اللّه تعالى ، ولذلك لم يعط أجل خلقه إلا أسماء حجبه فقال سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى [ الأعلى : 1 ] ، فو اللّه ما عرف اللّه تعالى غير اللّه في الدنيا وفي الآخرة انتهى منه بلفظه . انظر : جلاء القلوب ( 1 / 190 ، 291 ، 296 ) بتحقيقنا ، والمقصد الأسنى للغزالي ( ص 49 ) . ( 1 ) انظر : طبقات الصوفية ( ص 163 ) . ( 2 ) انظر : الكواكب ( 1 / 579 ) . ( 3 ) انظر : التعرف للكلاباذي ( ص 81 ) .